مالكيات

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[13]

د/مولاي إدريس غازي.

باحث بمركز دراس بن إسماعيل.

 

المسألة السادسة: اختلاف المتبايعين عند قيام البينة بالطوع بالثنيـا.

بيع الثنيا من البيوع الفاسدة لانطوائه على شرط مقتض لفساد العقد، وصورته أن يقول المشتري للبائع في صلب العقد إذا جئتني بالثمن فالمبيع لك([1]). والسبب في بطلانه كونه سلفا جر منفعة، جاء في تهذيب المدونة ما نصه: «ومن ابتاع سلعة على أن البائع متى ما رد الثمن فالسلعة له لم يجز ذلك؛ لأنه سلف جر منفعة»([2]).

وجاء في التحفة:

والبيع بالثنيـا لفسخ داع

 

والخرج بالضمان للمبتاع

قال الشيخ ميارة: «قال المتيطى: أما الثنيا فلا يجوز انعقاد البيع عليها في شيء من الأشياء، وهو أن يقول: أبيعك هذا الملك أو هذه السلعة بثمن كذا، على أني إن أتيتك بالثمن إلى مدة كذا وقال متى أتيتك به ولم يحد مدة فالمبيع مردود إلي مصروف علي، فإن تبايعا على ذلك فسخ البيع ما لم يفت ذلك بيد المبتاع، فيلزم القيمة يوم القبض»([3]).

غير أن الشرط المذكور إذا تطوع به المشتري للبائع بعد انبرام العقد، أي لم يكن من صلبه فهو جائز والبيع صحيح، وسواء كان الطوع بالثنيا موثقا بعقد مستقل أم لا، محددا بأجل معلوم أم لا.([4])

جاء في التحفة:

وجـاز إن وقع بعد العقـد

 

طوعـا بحد أو بغير حـد

وقد نص العلماء على أن كتب الطوع بالثنيا في وثيقة مستقلة هو الأحسن، وهو مقتضى قول ناظم التحفة:

وحيثما شرط على الطوع جعل

 

فالأحسن الكتـب بعقد مستقل

كما صرح به ناظم العمل المطلق بقوله:

واختير في ذاك كتاب مفرد

 

إذ هو عن ظن الفسـاد أبعد

لكن إذا تطوع المشتري للبائع بالطوع بالثنيا، وكان هذا الطوع موثقا مكتوبا ثم اختلفا، فادعى أحدهما أن الثنيا المذكورة إنما كانت شرطا في أصل البيع مما يقتضي فساده، بينما الآخر تمسك بما توجبه البينة من جواز الطوع وصحة البيع ففي المسألة قولان: قول مرجح لادعاء شرطية الثنيا في أصل البيع مراعاة للعرف، أي أن الناس تعارفوا على شرطية الثنيا وإنما يظهرون الطوع تحيلا، وهو المنسوب لابن الفخار. وقول مرجح لادعاء الطوع لقيام البينة الدالة عليه، وهو المنسوب لابن العطار وقد جرى به العمل.

جاء في نظم العمل الفاسي:

والقول قول مدعي الطوع إذا

 

كتب في الثنيـا عليـه أخذا

قال السجلماسي في شرح هذا البيت: «المراد بالثنيا هنا تعليق المشتري إقالة البائع على إتيانه بالثمن مطلقا أو إلى أجل كذا، فإن كان ذلك مشترطا في أصل العقد فسد البيع وإن طاع المشتري به بعد انبرام العقد صح البيع، ثم تارة يتفق المتبايعان على ما كان من ذلك وتارة يختلفان، فإن اتفقا فلا إشكال وإن اختلفا فادعى أحدهما الشرط والآخر الطوع، والحال أنه كتب الطوع في وثيقة كما عهد من أهل التوثيق وهي صورة الناظم التي تكلم عليها، فقيل أن القول لمدعي الطوع لكونه ادعى الصحة التي هي الأصل، ونسب هذا لابن العطار، وقيل القول لمدعي الشرط لجريان عرف الناس بذلك، ونقل هذا عن المشاور وهو ابن الفخار، وبالقول الأول جرى العمل بفاس»([5]).

الهوامش: 


([1]) انظر شرح حدود ابن عرفة، ص 385.

([2]) التهذيب للبراذعي، 3/144.

([3]) شرح ميارة على التحفة، 2/6.

([4]) انظر تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطاب، ص 239-240، تحقيق عبد السلام محمد الشريف، الطبعة الأولى (1404 هـ / 1984 م)، دار الغرب الإسلامي، بيروت.

([5]) شرح العمل الفاسي 2/156، وانظر كذلك نوازل العلمي 2/15-16.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[14]

البينة مقدمة على العرف ولا يحكم به إلا عند عدمها، إذ لا شهادة للعرف مع قيام البينة.

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[12]

إنما لزم بيع الجائع العاقل مع وصف الإكراه لما في إمضائه ولزومه من مصلحة حفظ النفوس.

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[11]

ما جرى به العمل من لزوم بيع المضغوط وإمضائه، مبناه على قاعدة مقصدية ترجيحية تقريرها حفظ النفوس مقدم على حفظ الأموال.