سلوكيات

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(14)

دة/أسماء المصمودي

باحثة بمركز دراس بن إسماعيل


الالتفات إلى الجانب البياني في الحكمة:

وقد يشرح الحكمة في بعض الأحيان بالالتفات إلى الجانب الجمالي البياني في اللغة، من ذلك قوله في شرح الحكمة التي ذكرها: "فما زالت مطية عزمه لا يقر قرارها دائما إلى أن أناخت بحظيرة القدس وبساط الأنس؛ محل المفاتحة والمواجهة والمجالسة والمحادثة والمشاهدة والمطالعة، فصارت الحضرة معشش قلوبهم إليها يأوون، وفيها يسكنون." فقال رحمه الله في شرح هذه الحكمة: " هذه استعارات مليحة استعملها في سفر القلب إلى حضرة الرب، وقد تقدم معنى ذلك عند قوله: "لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين"[1]، فقال في بيان هذه الاستعارات: "وحضرة القدس وبساط الأنس هما موضع الرحال، وبلوغ الأوطار والآمال، من قِبَل أن السالك تمحى عنه رسوم بشريته، وتبطل أحكام إنيَّتِه"[2]، فانطلق من البعد المجازي في الحكمة ليشرح معاني الاستعارات التي وظفها ابن عطاء الله في هذه الحكمة.

وفي نفس سياق اعتماد الشارح على الجماليات البيانية في متن الحكم العطائية، التفاته إلى الطباق في الحكمة العطائية الآتية: "وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني، واستسلامي وانقيادي إليك إذا أخرجتني"، فقال رحمه الله: "المدخل والمخرج، الإدخال والإخراج، وقد عبر بهاتيين العبارتين عن السفرين المذكورين فالمدخل: هو سفر الترقي لأنه دخول على الله عز وجل في حالة فنائه عن رؤية غيره. والمخرج هو سفر التدلي؛ لأنه خروج إلى الخليقة لفائدتي الإرشاد والهداية في حالة بقائه بربه، وتحققه في هذين المقامين، أعني مقام الفناء والبقاء، والبقاء هو معنى "صدقية" مدخله ومخرجه"[3]، فانطلق الشارح من الطباق الحاصل في الحكمة  لشرحها وتحديد معانيها.

وقد عمد ابن عباد في شرحه للحكم العطائية إلى استثمار خصوصية حروف الجر في الخطاب الصوفي، من ذلك قول ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: "واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ينصرني، وينصر بي، ولا ينصر علي، ينصرني على شهود نفسي، ويغنيني عن دائرة حسي"، فيأتي شرح الشارح بناء على معاني تسطرها حروف الجر وأسلوب استعمالها بما يوافق السياق، فتثبت حضورا  مميزا في الشرح كما حضرت حضورا لافتا في الحكمة فيقول الشارح رحمه الله: "طلب من الله تعالى النصرة له ليستقيم أمره، وطلب منه النصرة به ليكمل حاله، فالنصرة له هي ملاك أرباب البدايات من السالكين؛ إذ بذلك يتيسر عليهم قطع عقبات النفس، ومحو دواعي الهوى والحس. والنصرة به من مقتضى حال أرباب النهايات من المحققين، لأن بذلك يحصل لهم مرتبة الأمانة، ومقام الإرشاد والهداية، وكل واحد من القسمين نصرة على شهود النفس وفناء عن دائرة الحس".[4]

 

الهوامش:


[1] ـ غيث المواهب، ص. 328.

[2] ـ غيث المواهب، ص. 328.

[3]  ـ غيث المواهب، ص.330.

[4] ـ غيث المواهب، ص.330ـ331.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(15)

تظل الشروح التي قامت على متن الحكم العطائية جديرة بالتقريب والمدارسة لما تحويه من قيم تربوية وتوجيهات سليمة وسديدة فيما يخص علاقة العبد بربه وبنفسه ثم بسائر العباد، فالحكم العطائية وشروحها من المدونات السلوكية القيمة الجديرة بالدراسة والمدارسة، دائما في إطار الاشتغال بالتقريب السلوكي.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(13)

غالبا ما ينطلق ابن عباد في شرحه من توضيح وتحديد مصطلحيٍّ للكلمة، بمعنى أنه لا يعود إلى الأصل اللغوي وإنما يفسر ويشرح شرحا وتوضيحا صوفيا.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(12)

خلو القلب من التعلقات دليل على وصاله برب العباد.