بحث و حوار

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(3)

د. عبد الرحيم السوني

باحث بمركز دراس بن إسماعيل:


إن طبيعة التجربة التي يعيشها الصوفي، تجعله يسلك في التعبير عنها مسلكا رمزيا؛ فليس بوسع اللغة المعيارية العادية القيام بهذه الوظيفة، لأجل هذا اعتمد الصوفية اللغة الرامزة عوضا عن اللغة الواصفة للتعبير عن مواجيدهم مما لا تقدر لغة التخاطب البسيطة على الإحاطة به أو وصفه. وما دام أن المشترك بينهم في تجربتهم هو مجال وجداني، فقد توافقوا عليه بمصطلحات جعلوها رموزا وإشارات لما يجمعهم من حقائق ومعارف تخصهم، وهي لا تخرج عن ألفاظ العربية، لكن بدلالات مختلفة في الغالب. هذه الدلالات ما هي إلا تأويل للنص القرآني، «التأويل الذي هو عبارة عن تبيان للمقاصد الخلقية للنص المؤول؛ أما الوسيط الذي عن طريقه يتحول هذا النص إلى مصطلحات صوفية فتجسده التجربة الصوفية؛ هذه التجربة بالذات هي التي تحول تلقي القرآن لدى الصوفي من مستوى في الفهم إلى مستوى آخر، فيتحول التأويل تبعا لذلك من مستوى إلى آخر»[ م. ن، ص: ن.].

فالصوفي يتدبر كلمات الله ليفهم معانيها ومقاصدها ويعمل بها ويطبقها، وهذا التطبيق ُينتِجُ له فهما جديدا أعمق من فهمه الأول تحقيقا لقول الله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾[ سورة: البقرة، الآية: 281.]، وما دام أن فعل التقوى هذا إنما هو احتكام لما في القرآن الكريم وتطبيق له، فإن الصوفي بفعله ذاك يُكشَفُ له عن فهوم عميقة لما في القرآن، وبتلك الفهوم يتعمق له فعل التقوى من جديد مما يؤدي به إلى مزيد من التعمق في معاني كلمات الله تعالى بما يتناسب ودرجة التقوى التي حصّلها، وهكذا يبقى الصوفي بين ممارسته لفعل التقوى وتلقيه للفهوم والعلوم المترتبة عليه إلى ما لا نهاية في طريق القرب من معرفة حقائق كلام الله تعالى وأسراره.

إن ما يمكن أن نخلص إليه بشأن المصطلح الصوفي، هو أنه مصطلح أصيل يستمد أصوله وشرعيته من الكتاب والسنة انطلاقا من تجربة إسلامية عميقة قائمة على أساس التخلق العملي والتطبيق الفعلي لما جاء في القرآن الكريم من إشارات سلوكية وتوجيهات تربوية.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(8)

الصوفية وهم يُقْدِمون على تأليف معاجمهم إنما كان قصدهم في ذلك مد جسر التواصل بينهم أولا وبين غيرهم ثانيا، ممن ينكر أحوالهم؛ لجهله بحقيقتها، عن طريق تيسير تلك الحقائق وتبسيطها.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(7)

جميع علوم الباطن إنما تُحصَّل بالذوق والوجدان والشهود والعيان، لا بالدليل والبرهان، وهي ذوقيات لا نظريات، فإنها ليست بطريق التأمل السابق، ولا بسبيل التعجل اللاحق بترتيب المبادئ والمقدمات.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(6)

المقصد من إنجاز كتب المعاجم الصوفية هو شرح الألفاظ الجارية على ألسنة القوم، والذين حاولوا من خلالها التنبيه إلى أن الألفاظ عندهم تحمل معاني خاصة، وأنها ذات طبيعة رامزة يصعب على غير الصوفي استيعاب دلالتها أو فك شفرتها، فجاءت معاجمهم موضحة ومفسرة لما اختص به القوم من حقائق طريقهم ودقائقها.