أشعريات

المذهب الأشعري بالمغرب التاريخ والأصول 6

الدكتور عبد الله معصر

رئيس مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك

 

 

ومن هؤلاء  الرواد الأوائل أبو عمران الفاسي ( ت430هـ)الذي تتلمذ على  أبي الحسن القابسي(ت 403 هـ) ،ثم رحل إلى المشرق فالتقى بكبار العلماء أمثال أبي بكر الباقلاني( ت 403هـ)،فتتلمذ عليه وأخذ عنه،والذي تصفه الروايات ضمن رواد الأشعرية بالغرب الإسلامي،فقد قال فيه أبو بكر الباقلاني :( لو اجتمعت في مدرسة أنت وعبد الوهاب بن نصر لاجتمعا فيكما علم مالك بن أنس،أنت تحفظه،وهو ينصره، ولو رآكما مالك لسر بكما)[1].

وإذا كانت النصوص المنقولة عن أبي عمران الفاسي قليلة،إلا أن العلماء كثيرا ما يستشهدون بآرائه ويسندون إليه القول بمقولات أشعرية.

وهناك شخصية أخرى ينسب إليها مساهمتها في إدخال علوم الاعتقادات بالمغرب،وهو أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي المرادي[2] ( ت 489هـ )،وقد خلفه في علوم الاعتقادات تلميذه أبو الحجاج يوسف بن موسى الضرير[3] (ت 520هـ) وكانت له الإمامة في المذهب الأشعري، فقد ترك لنا منظومة  في العقيدة شهيرة، هي التنبيه والإرشاد في علم الاعتقاد، وهي أرجوزة  في أكثر من ألف وستمائة بيت ،نظم فيها العقيدة الأشعرية ،بأسلوب يجمع بين السهولة والاختصار ،مع البساطة في المضمون،وقد رزقت القبول ،وتولى كثير من العلماء تدريسها وشرحها، وبذلك ساهمت في تكريس المذهب الأشعري بالمغرب، بل بالغرب الإسلامي .

وتحتوي هذه المنظومة على تسعة وتسعين بابا تكلم فيها على وجوب النظر العقلي وجوبا عينيا على كل مسلم ومسلمة،وعن حدوث العالم،وعن صفات الله،ومسألة رؤية الله،وخلق الأفعال( الكسب)،والتأويل العقلي،وقياس الغائب على الشاهد،والنبوات والإمامة.[4]

ونسوق نموذجا لما تضمنه التنبيه والإرشاد في مسائل الأشعرية قول الناظم رحمه الله في الكلام عن الكسب في المفهوم الأشعري:

والعبد يكتسب من صفاته     ما هو من أجناس مقدوراته

وهذه القدرة والمقدور        كلاهما يبدعه القديــــــــر [5] 

فهذا البيت يتحدث فيه عن نظرية الكسب الأشعري حيث يثبت للإنسان القدرة على فعل  ما يدخل تحت مقدوراته.

ومهما يكن ،فإن هذه المنظومة ساهمت في تقريب المذهب الأشعري من جمهور المتعلمين،خصوصا إذا علمنا أن مجموعة كبيرة من العلماء تلقوها عن صاحبها،قال القاضي عياض في الترجمة لصاحب الأرجوزة( قرأت عليه أرجوزته الصغرى التي ألف في الاعتقادات،وحدثني بالكبرى)[6]  ،كما كانت تدرس بالجوامع في كل من الأندلس والمغرب وتونس وغيرها.          

وممن صنفوا على طريقة الأشاعرة محمد بن تومرت (ت524هـ)[7] مؤسس دولة الموحدين،رحل إلى المشرق،وتلقى أفكار كبار الأشاعرة ، كالغزالي والكيا الهراس وأبي بكر الطرطوشي، فلما رجع إلى المغرب ( طعن على أهل المغرب في إمرارهم المتشابهات كما جاءت،وحملهم على القول بالتأويل،والأخذ بمذاهب الأشعرية)[8]

  ألف ابن تومرت عقيدة المرشدة في ورقات ، والتي تعكس أشعريته ،وتولى عدد من العلماء شرحها[9] .كما ضمن بعض آرائه في العقيدة في كتابه أعز ما يطلب،حيث تكلم عن العلم والإيمان وإثبات وجود الله ،ورؤية الله، والقضاء والقدر،وغيرها من القضايا التي ناقشها على طريقة الأشاعرة[10]

وأما القاضي أبو بكر ابن العربي (ت543هـ) فتكمن أهميته في نشر وتطور المذهب الأشعري بالغرب الإسلامي، في كونه جلب في رحلته من الأندلس إلى المشرق أمهات كتب الأشاعرة، في أصول الفقه وأصول الدين،ومن هذه الكتب مدارك الأصول والبرهان في أصول الفقه والعقيدة النظامية وغياث الأمم للجويني،والمنخول ومحك النظر ،والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي،وغيرها من الكتب مما جعل مفكري الغرب الإسلامي يطلعون على الفكر الأشعري في مصادره الأصلية الأولى ،ويتشبعون بآراء الأشاعرة ويتدارسونها مما ساهم في انتشار الفكر الأشعري[11].

كما ألف كتبا في العقيدة تحمل طابعا أشعريا،فهو يرفض رفضا قاطعا التقليد في العقائد،ويرى أن النظر واجب على المكلفين وجوبا عينيا،شأنه في ذلك شأن الأشاعرة،فهو حين يتعلق الأمر بوجود الله والاستدلال عليه  عقلا،فإنه يلجأ إلى دليل التسلسل،وحين يتعلق الأمر بصفات الله الواجبة،فإنه يحرر القول في كل صفة نقلا وعقلا،متبعا في ذلك منهج الأشاعرة ،وإن خالفهم بعض الأحيان في الأدلة المستعملة،فهو يؤمن بالتأويل  العقلي،فكل آية متشابهة أو حديث يفيد تشبيه الذات الإلاهية وتجسيمها لابد من تأويله تأويلا عقليا[12] .

 


 الديباج المذهب ص345.[1]

 التشوف لابن الزيات ص105[2]

 التشوف ص 105. الغنية:للقاضي عياض ص226[3]

 تطور المذهب الأشعري بالغرب الإسلامي:يوسف حنانا ص(103- 109)[4]

 انظر تطور المذهب الأشعري بالغرب الإسلامي :يوسف حنانا ص108[5]

 الغنية :للقاضي عياض ص 226[6]

 1قال صاحب المعجب ( كان- أي ابن تومرت- عل مذهب أبي الحسن الأشعري في أكثر المسائل ،إلا في إثبات الصفات فإنه وافق المعتزلة في نفيها،وفي مسائل قليلة غيرها،وكان يبطن شيئا من التشيع) المعجب ص26[7]

 العبر:لابن خلدون ج6ص 466[8]

 المصدر السابق ص114[9]

 المهدي ابن تومرت:عبدالمجيد النجار ص434. تطور المذهب الأشعري بالغرب الإسلامي:ص111[10]

 نفس المصدر ص 127[11]

 تطور المذهب الأشعري بالغرب الإسلامي :ص134[12]



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه: "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" (4)

في سياق اتجاهه الإصلاحي سلك الإمام أبو علي السكوني في كتابه "عيون المناظرات" مسلكاً تقريبياً قلّ سالكه في هذا العلم، فإيراد المناظرات التي اعتمد أصحابها منهجاً جدلياً تجاوزيّاً قصد إفحام الخصوم، ونصرة الاعتقاد الصحيح، له آثار عظيمة في تثبيت العقيدة الصحيحة في قلوب المسلمين، وفي دفع الشبهات الواردة على أذهانهم.

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه: "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" (2)

نشأ في أسرة علم وأدب رفيع، فوالده هو الشيخ المتكلم محمد بن خليل السكوني، ويظهر من خلال تآليف الابن أنه كان كثير الملازمة لوالده آخذاً عنه جلّ علومه، عاضّاً على منهجه بالنواجد.

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه: "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" (3)

عمل الإمام أبو علي السكوني على تتبع الأخطاء العقدية الشائعة في عهده، ومحاولة تصويبها وفق القواعد العقدية المقرَّرة بالمذهب الأشعري.