بحث و حوار

عقيدة النساء في التراث العقدي المغربي العقيدة السلالجية والسنوسية الحفيدة نموذجا2.

 دة. أمينة مزيغة 

  باحثة بمركز دراس بن إسماعيل

 

      يعتبر علم الكلام من أولى العلوم التي اهتم علماء القرويين بها فهما وتفهيما وتدريسا وتأليفا، فقد كانت "القرويين قلعة حصينة للمذهب العقدي والفقهي بالمغرب، إذ كان علماؤها يدافعون عن مذاهب السلف في الاعتقاد على عهد الدولة المرابطية، وصاروا دعاة المذهب الأشعري منذ العهد الموحدي، وتمسكوا بالفقه المالكي منذ عصر الدولة الإدريسية، وتسامحوا مع اتجاه التصوف السني، وكان لهذا الاتجاه إشعاع كبير في المغرب والخارج، كما كان سبب ما عرف به المغرب من المحافظة على مذهبه العقدي والفقهي ووحدته الدينية...."[1] وعلم العقائد من العلوم التي أراد روادها  أن تلقن للنساء، إذ حرص ممثلو الفكر الأشعري بالمغرب الإسلامي على تلقين العقيدة للنساء، فوضعوا عقائد مبسطة للنساء من جهة، وأفتوا من جهة أخرى بفتاوى جاءت منسجمة انسجاما كبيرا مع الاختيار المميز للتوجه العقدي للغرب الإسلامي، الذي يميل نحو تعميم العقائد على عامة الناس، ونبذ التقليد"[2].

         وعقيدة النساء هي عقيدة وضعت لتقريب العقيدة للنساء، وتسميتها بعقيدة النساء لا يعني أنها حكر عليهن بحيث لا يحق للرجال قراءتها، "لأنه لا تمييز في مجال العقائد بين ما ينبغي للرجال اعتقاده، وكذا كميته، وما ينبغي للنساء، وكذا كميته، ففي أمور العقائد حظ الرجال مثل حظ النساء تماما، بل إن المسألة تندرج في إطار تبسيط العقائد"[3].

          ومن بين التآليف التي كانت موجهة بالأساس للنساء[4] التي تعد مثالا لكتب العقيدة التي قصد بها صاحبها تبسيطها وتسهيلها لتلميذته "خيرونة"، التي طلبت منه أن يضع لها ما ينبغي اعتقاده على المذهب الأشعري ... ، لقد "كانت خيرونة (ت 594هـ) من النساء المتميزات لعصر أبي عمرو السلالجي، واللائي كان لهن دور بارز في الترويج لعلم الكلام الأشعري بالمغرب و بفاس: الزاهدة "خيرونة" أو خدونة  وهي من النساء الأندلسيات اللاتي دخلن المغرب لهذا العصر واتصلت بأعلامه وتوفيت به..."[5] ، وقد كانت تتقن "الفقه وتبحث في أحكامه العملية، كما اهتمت بتزكية حياتها الروحية فاعتنت بدراسة الكتب الصوفية وتقليد أئمة التصوف حتى صارت من الزاهدات العابدات، واهتمت بأمور العقيدة إذ كانت تحضر مجلس عثمان السلالجي إمام أهل فاس في الأصول، ومما يذكر عن مفاخر خيرونة- التلميذة النجيبة للسلالجي- أنها كانت السبب الرئيس في تأليفه للكتيب الذي اشتهر به: العقيدة البرهانية، فمن أجلها قام أبو عمرو بوضع عقيدته، ونزولا عند رغبتها بادر إلى ذلك".[6]. "فلولاها لما سمعنا بإنتاج لأبي عمرو السلالجي، و لربما بدونها لم يكن صيت أبي عمرو ليذيع"[7]..

           و خيرونة هذه لم يعرف عنها إلا أنها امرأة أندلسية صالحة عابدة "دفعها السياق النظري الجديد الذي كان يتميز به الغرب الإسلامي، والمتمثل في تسرب العقائد الأشعرية، وصراعها مع عقائد أهل التسليم والتفويض، إلى أن تكون على دراية بمضامين هذه العقائد الجديدة، فطلبت من السلالجي أن يضع لها مختصرا لما تشمله هذه العقيدة الاشعرية الجديدة، وفعلا استجاب لطلبها ووضع لها البرهانية من غير أن يعلم أنها ستصبح- أي البرهانية - ذات شأن كبير في التاريخ العقدي للغرب الإسلامي، وستنهض بطلائع الأدوار في سيرورة المذهب الأشعري به، إذ لم يقصد من عقيدته أن تكون رسالة أو كتابا، بدليل أنه كان يقدمها لخيرونة قسما قسما، ومن دون مقدمة أو خطبة، أو ديباجة(...)، إن الأسباب الخاصة المباشرة التي دفعت أبا عمرو لتأليف "برهانيته" كانت متعلقة بخيرونة تلميذته، هذه المرأة الزاهدة التي تعاطت للعلم والدراسة، وأرادت أن تتعلم من أمور الكلام ما يجعل عقيدتها في مأمن من الانحراف والزيغ، فرغبت إلى السلالجي – شيخ الفاسيين في علم الاعتقاد أن يكتب لها عقيدة مختصرة وافية بمطلوبها، فكتب لها السلالجي "عقيدة" مرة بعد مرة، ولكن هذه العقيدة ما لبثت أن اكتملت وظهر تميزها وإحكام تأليفها فانتشرت بين الناس وذاع صيتها "فسميت بالبرهانية، يقول ابن مومن:" كان بمدينة فاس امرأة تسمى خيرونة، وكانت من الصالحات القانتات الزاهدات الغافلات المؤمنات وكانت تعظمه – أي أبا عمرو – وتوقره وتلزم مجلسه، فرغبت إليه أن يكتب لها في لوحها شيئا تقرأه على ما يلزمها من العقيدة. فكان يكتب لها في لوحها فصلا متى كلفته ذلك، فكانت تحفظه، فإذا حفظته ومحته كتب لها لوحا ثانيا، فكان ذلك دأبها حتى كملت عقيدة وكتبتها عنها ولقبت ب" البرهانية" وصارت بأيدي الناس كثيرا"[8].

          إن ظهور العقيدة البرهانية التي شاء لها صاحبها أن تكون عقيدة للنساء خاصة من خلال وضعها لامرأة بعينها، وجدت تربة مهيأة كي تبوئها مكانة كبيرة ومهمة داخل حقل الثقافة الأشعرية في الغرب الإسلامي، ويكفي أن نشير إلى عدد الشروح التي وضعت لها، والتي اكتسبت أهمية بالغة في عملية تطور المذهب الأشعري هنا"[9].

        لما وصلت هذه العقيدة إلى يد أبي الحسن بن مومن – تلميذ السلالجي ورواية أخباره- جاء إلى أبي عمرو يستشيره في وضع مقدمة لها وترتيبها في فصول لتأخذ شكل تأليف، فلما سأل السلالجي في ذلك رفض الشيخ هذا الاقتراح واعترض عليه بشدة مخافة السمعة والرياء. يحكي ابن مومن هذا الخبر فيقول: "فأخدتها – أي البرهانية - وقام بفكري أن أرتبها فصولا وأعمل لها شبه الخطبة ، ثم شاورته في ذلك فمنع منه وقال لي: لم أعترض فيها أن تكون تأليفا تكتب وتنتشر، وإنما كتبتها لخيرونة خاصة على وجه (كذا). فشاء الله أن تشيع، فاتركها كما هي ولا تزد فيها شيئا فتخرج عما قصد بها. قال أبو الحسن: فتركتها كما هي"

إن هذه الرواية تظهر بجلاء أن الأسباب العامة التي دفعت أبا عمرو إلى تأليف "البرهانية" ترتبط ارتباطا وثيقا بالدور الإصلاحي التعليمي الذي تفرغ له بعد رجوعه إلى فاس، فهو لم يقصد بهذا العمل أن يصبح تأليفا يفتخر به ويستعلى به على الناس، وإنما أراد أن يساهم به فقط في مساعدة طلبته على تحصيل العلم الأشعري وعلى ترسيخ العقيدة في أذهانهم"[10].

         "هكذا استطاعت هذه المرأة الزاهدة أن تحقق ما عجز عنه الرجال المقربون إلى أبي عمرو، فدفعته إلى الكتابة والتأليف بعدما كان يفر من ذلك ويخشاه طيلة حياته، وبذلك تكون صاحبة الفضل في نشر وإذاعة آراء ومواقف شيخها في كل البلاد.

         وقد توفيت هذه الصالحة سنة 594هـ، ولمكانتها العلمية والدينية دفنت بإزاء قبر الفقيه دراس بن إسماعيل والذي دفن شيخها السلالجي بإزاء قبره كذلك[11].

 

 

 


[1] - نظام الدراسة بجامعة القرويين 172،الندوة التكريمية عبد الهادي التازي، كتاب القرويين للتازي444.

[2] - تطور المذهب الأشعري 329.

[3] - تطور المذهب الأشعري في المغرب 324.

[4] - برهانية أبي عمرو السلالجي 42.

[5] - انظر العقيدة البرهانية الأشعرية 42.

[6] - البغية لابن مومن نقلا عن العقيدة البرهانية 43.

[7] - عثمان السلالجي لعلال البختي 52

[8] - بغية الراغب نقلا عن العقيدة الاشعرية 50

[9]- العقيدة البرهانية 51.    

[10] - بغية الراغب نقلا عب العقيدة البرهانية 51.

[11] - عثمان السلالجي 171.  



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(8)

الصوفية وهم يُقْدِمون على تأليف معاجمهم إنما كان قصدهم في ذلك مد جسر التواصل بينهم أولا وبين غيرهم ثانيا، ممن ينكر أحوالهم؛ لجهله بحقيقتها، عن طريق تيسير تلك الحقائق وتبسيطها.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(7)

جميع علوم الباطن إنما تُحصَّل بالذوق والوجدان والشهود والعيان، لا بالدليل والبرهان، وهي ذوقيات لا نظريات، فإنها ليست بطريق التأمل السابق، ولا بسبيل التعجل اللاحق بترتيب المبادئ والمقدمات.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(6)

المقصد من إنجاز كتب المعاجم الصوفية هو شرح الألفاظ الجارية على ألسنة القوم، والذين حاولوا من خلالها التنبيه إلى أن الألفاظ عندهم تحمل معاني خاصة، وأنها ذات طبيعة رامزة يصعب على غير الصوفي استيعاب دلالتها أو فك شفرتها، فجاءت معاجمهم موضحة ومفسرة لما اختص به القوم من حقائق طريقهم ودقائقها.